القاعدة السرّية تقدّم دليلاً جديداً على تحوّل الصراع السوداني إلى مسرح لحرب عالية التقنية مدفوعة بمصالح أجنبية
بقلم:
ديكلان وولش – مالاشي براون – إريك شميت – نيك كامينغ-بروس
أعدّ هذا التقرير كلٌّ من ديكلان وولش من نيروبي (كينيا)، ومالاشي براون من نيويورك، وإريك شميت من واشنطن، ونيك كامينغ-بروس من جنيف.
نُشر في: 1 فبراير 2026
آخر تحديث: 2 فبراير 2026 – الساعة 9:26 صباحًا بتوقيت شرق الولايات المتحدة
المصدر: The New York Times
يقع مدرج الطائرات بجوار دوائر محاصيل عملاقة على حافة الصحراء الكبرى. ومن فوق حقول قمح شاسعة، تقلع طائرات عسكرية مسيّرة من قاعدة سرّية لتخوض واحدة من أكبر حروب الطائرات بدون طيار في العالم.

تقع هذه القاعدة في مصر، مختبئة وسط مشروع زراعي واسع النطاق في الصحراء الغربية للبلاد. غير أن أهداف الطائرات لا تقع داخل الأراضي المصرية، بل في السودان.
وتقدّم هذه العملية السرّية للطائرات المسيّرة دليلاً جديداً على كيفية تحوّل الحرب الأهلية في السودان — التي مزقتها المجاعة، والفظائع، وسقوط عشرات الآلاف من القتلى — إلى مسرح واسع لحرب طائرات مسيّرة عالية التقنية، مدفوعة بمصالح قوى أجنبية متنافسة.
أدلة الأقمار الصناعية وسجلات الطيران
تشير صور الأقمار الصناعية، وسجلات الرحلات الجوية، ومقاطع الفيديو التي راجعتها صحيفة نيويورك تايمز، إلى جانب مقابلات مع مسؤولين أمريكيين وأوروبيين وعرب، إلى أن طائرات عسكرية متطورة بدون طيار، متمركزة في هذا المهبط الجوي المصري، تشنّ غارات داخل السودان منذ ما لا يقل عن ستة أشهر.
وتستهدف هذه الغارات قوات الدعم السريع، وهي جماعة شبه عسكرية متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة، تخوض قتالًا ضد الجيش السوداني منذ أكثر من ألف يوم.
ولم ترد وزارة الخارجية المصرية ولا مركز الصحافة الأجنبية في مصر، كما لم يرد الجيش السوداني، على الأسئلة التي وجهتها الصحيفة بشأن هذا التقرير.
من دور دبلوماسي إلى تدخل عسكري غير معلن

حتى وقت قريب، كانت مصر لاعبًا دبلوماسيًا في السودان بالدرجة الأولى. غير أن نشاط الطائرات المسيّرة يشير إلى دخولها ساحة المعركة إلى جانب الجيش السوداني، مضيفةً بُعدًا جديدًا إلى حرب باتت تعجّ بتدخلات قوى أجنبية من كلا الجانبين.
ووفقًا لمسؤولين، تزود الإمارات العربية المتحدة قوات الدعم السريع بالأسلحة، بينما تدعم السعودية وقطر الجيش السوداني، الذي حصل أيضًا على أسلحة من تركيا وإيران وروسيا.
والآن، انضمت مصر — جارة السودان الشمالية على نهر النيل — إلى الصراع، حيث تلقت قاعدتها السرّية للطائرات المسيّرة تهديدات مبطّنة بالانتقام من قوات الدعم السريع.

حرب الطائرات المسيّرة وتكلفة إنسانية باهظة
يُظهر تورّط مصر كيف أصبحت التكنولوجيا، أكثر من أي وقت مضى، عنصرًا حاسمًا في واحدة من أكثر الحروب كارثية في العالم، والتي شرّدت ما يُقدّر بنحو 12 مليون شخص.
تتولى طائرات مسيّرة قوية بعيدة المدى الآن الجزء الأكبر من القتال في السودان، حيث تطلق الصواريخ على المقاتلين وقوافل الإمداد، كما تستهدف مساجد ومستشفيات ومحطات توليد الكهرباء. وقد أسفرت هذه الضربات عن مقتل آلاف الأشخاص، من المدنيين والمقاتلين على حد سواء.
ويُعد ازدهار سوق الذهب العالمي أحد العوامل التي تحفّز استخدام الطائرات المسيّرة، إذ أدت الأسعار المرتفعة إلى تضخيم ميزانيات الحرب، مع تسارع كل من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى استغلال احتياطيات البلاد من الذهب. غير أن المحرك الرئيسي لنشاط الطائرات المسيّرة يظل، في الغالب، هو القوى الأجنبية.

سباق تسلّح بالطائرات بدون طيار
تستخدم قوات الدعم السريع طائرات CH-95 الصينية بعيدة المدى، والتي تقول مصادر إن الإمارات زوّدتها بها. في المقابل، يستخدم الجيش السوداني طائرات مسيّرة تركية متقدمة تعمل بالأقمار الصناعية من إنتاج شركة بايكار، أكبر مقاول دفاعي في تركيا.
وتنفي الإمارات دعم أي طرف في النزاع، بينما قال مسؤول تركي رفيع المستوى إن طائرات بايكار صُدّرت وفقًا للقانون الدولي، وإن الحكومة التركية لا تقدم دعمًا مباشرًا للجيش السوداني.
وبحسب أربعة مسؤولين أمريكيين ومسؤول من الشرق الأوسط، تُخزَّن الطائرات المسيّرة التركية داخل الأراضي المصرية لحمايتها. ولم يتضح بعد ما إذا كانت القوات المصرية أم السودانية هي التي تشغّل هذه الطائرات. وقد تحدث المسؤولون شريطة عدم الكشف عن هوياتهم نظرًا لحساسية المعلومات الاستخباراتية.
الفاشر: نقطة التحوّل

يقول المسؤولون إن ما دفع مصر إلى هذا الدور العسكري هو سقوط مدينة الفاشر في إقليم دارفور أواخر أكتوبر. فبعد حصار وحشي دام 18 شهرًا، سيطرت قوات الدعم السريع على المدينة المنكوبة بالمجاعة، ما أثار إدانات دولية واسعة.
وبعد ذلك بأسابيع، تقدمت الميليشيا نحو جبهة جديدة في إقليم كردفان بوسط السودان، مهددةً باجتياح مناطق إضافية من البلاد.
وأبدى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قلقًا واضحًا من هذا التطور، محذرًا في ديسمبر من تجاوز “الخط الأحمر” في السودان، الذي تدفق منه نحو 1.5 مليون لاجئ إلى مصر.
قاعدة مخفية في مشروع زراعي
بدأ دور مصر في حرب الطائرات المسيّرة من موقع غير متوقّع إلى درجة أن رواد فضاء تابعين لوكالة ناسا التقطوا صورًا له من محطة الفضاء الدولية.
ويقع مشروع شرق العوينات لاستصلاح الصحراء على بعد نحو 40 ميلًا من الحدود السودانية، ويعتمد على أكبر نظام خزانات مياه جوفية أحفورية في العالم لريّ دوائر زراعية عملاقة.
وعلى مدى عقود، خدم المشروع مدرج واحد لنقل المنتجات والعمال. لكن صور الأقمار الصناعية تُظهر أن المطار بدأ منذ عام 2018 في التوسع بهدوء.
وبحلول عام 2024، جرى إنشاء مدرج ثانٍ ونحو 17 حظيرة طائرات، يبدو أن لها استخدامات عسكرية. كما أظهرت الصور وجود طائرات مقاتلة ومسيّرات صغيرة، إضافة إلى أنظمة مراقبة للحدود السودانية.
ضربات بعيدة المدى وتهديدات بالرد
بحلول ديسمبر، كانت هناك طائرتان مسيّرتان على الأقل من طراز أكينجي تنطلقان من القاعدة المصرية لضرب أهداف داخل السودان، بعضها على بعد أكثر من 800 ميل.
وأظهرت مقاطع فيديو تحققت منها الصحيفة غارات استهدفت تجمعات لمقاتلي الدعم السريع وقوافل إمداد قرب الحدود مع تشاد وليبيا، وأسفرت عن مقتل العشرات.
ومع تصاعد الضربات، أصدرت قوات الدعم السريع تهديدات مبطّنة، قائلة إنها تعلم أن الطائرات التي تستهدفها “تنطلق من قاعدة أجنبية”، ومتوعدة بالرد “في الزمان والمكان المناسبين”.
وقال قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، في خطاب مصور:
“أي طائرة مسيّرة تقلع من أي مطار هي هدف مشروع بالنسبة لنا”.
حرب بلا منتصر
ورغم سباق التسلّح التكنولوجي المحموم، لا يبدو أن أيًا من طرفي الصراع قريب من تحقيق نصر حاسم. فقد اتهمت الولايات المتحدة الجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية، وقوات الدعم السريع بارتكاب إبادة جماعية، وفرضت عقوبات على الطرفين، دون أن ينجح ذلك في كبح التصعيد.
ويخلص التحقيق إلى أن حرب الطائرات المسيّرة، بدلًا من حسم الصراع، ساهمت في مزيد من الفوضى والدمار، وبثّت الرعب بين السكان، وعمّقت المأساة الإنسانية في السودان.
ساهم في إعداد التقرير: رونين بيرغمان، عبد الرحمن الطيب
إنتاج الفيديو: جيمس سوردم، جيف بيرنييه
هذا التقرير ترجمة وتحرير صحفي موسّع استنادًا إلى تحقيق نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية.
المصدر
https://www.nytimes.com/2026/02/01/world/africa/egypt-sudan-drones.html







Responses