ياسر عرمان يكتب: عطبرة… مدينة الذاكرة والقطارات والثورة

ياسر عرمان يكتب عن عطبرة بوصفها مدينة الذاكرة الوطنية، ومهد الحركة النقابية، وموطن القطارات والثورة، مستعيداً وجوهاً من تاريخها ونضالاتها، ومسلطاً الضوء على واقع ولاية نهر النيل ومعاناة شبابها وعمق روحها المقاومة.
1 min read 0 words 33 views

📌 ياسر عرمان يكتب: عطبرة… مدينة الذاكرة والقطارات والثورة

ياسر عرمان يكتب: عطبرة… مدينة الذاكرة والقطارات والثورة

(1) عطبرة… بذرة الثورة وحديقة الوعي

إذا كانت الثورة بذرة، فإن عطبرة إحدى حدائقها الكبرى. وإذا كان هناك من لخص خيبة أحلام الشباب ووجع العطالة، فهو مؤمن بندي الذي أطلق على قهوته الواقعة عند ناصية الطريق قرب كبري الحرية اسم “يا خسارة قرايتي”.

عدتُ إلى عطبرة بعد سنوات من الغياب، فرأيت مدينة تشيخ وهي في ريعان الشباب. في شوارعها التقيت بالغائبين العائدين: قرشي الطيب، عبدالوهاب حسن مالك، حسن أحمد دياب، عبدالعزيز إدريس، وفؤاد أحمد الطالب الشهيد الذي جمع بين الطبقة والطلبة.

وعند ناصية الطريق رأيت سليمان موسى، قائد هيئة شؤون العمال في الأربعينات، الذي أعادته السلطات بطائرة بعد اعتقاله، فهتف جمهور “الأنادي”: “الطائرة جات محروسة… يسلم لي سليمان موسى”.

كما شاهدت الحاجة سبيلة فضل، صاحبة “الانداية” التي تبرعت بذهبها لبناء دار النقابة، فخلّد اسمها في قائمة الشرف. وعندما دخل العمال في إضرابات طويلة، تضامن أصحاب المنازل بإعفاء الإيجارات، ووزع الجزارون والخضرجية الطعام مجاناً نكاية في الاستعمار.

وفي الطريق رأيت وجوهاً من ذاكرة المدينة: محمد السيد سلام، عبدالقادر سالم، موسى متي، إبراهيم المحلاوي، الطيب حسن، والشفيع أحمد الشيخ الذي ظل يتدلى من حبال المشنقة وهو لم يصلها أصلاً. ورأيت إبراهيم زكريا، وقاسم أمين، والحاج عبدالرحمن يردد: “كشفناك يا نيو مان”.

ياسر عرمان يكتب: عطبرة… مدينة الذاكرة والقطارات والثورة

(2) قطار عطبرة… حلم الثورة الذي لا يتوقف

لا يزال حسن خليفة العطبراوي يصدح: “أنا سوداني أنا”. كل القطارات مرت من هنا، وقطار عطبرة حلم الثورة الذي لا ينتهي، وسيأتي دائماً في مواعيده.

نحلم بقطارات تربط السودان كله: عطبرة، أريات، أويل، واو، نيالا، كوستي، مدني، بورتسودان، وحلفا القديمة. قطارات تحمل الركاب والبضائع والصلات الإنسانية.

وفي الطريق تذكرت رفاق الطلبة: د. جعفر كرار، عمر التوم، سلوى السعيد، إبراهيم سعيد، محمد عبدالخالق، أميرة عبدالخالق، بكري جبريل، عوض جبريل، محمد الباشا، وعادل عبدالعاطي. وتذكرت حديث البروفيسور دومنيك أكيج محمد عن دراسته في عطبرة الصناعية قبل أن يصبح عميداً للهندسة بجامعة فلوريدا.

(3) نهر النيل… ولاية الذهب والفقر

ولاية نهر النيل تصدر الذهب وتستورد السرطان، و98٪ من سكانها تحت خط الفقر وفق إحصائية رسمية في 2010. ولاية أعطت الكثير ولم تأخذ شيئاً، وتوقفت مصانع التمور، وازدادت الحاجة إلى فصاحة البروفيسور عبدالله الطيب ليعبر عن مأساتها.

في عطبرة يشتكي التجار من الضرائب، والمواطن من الفاقة. المدينة تحتاج إلى اعتصام مستدام.

ومع هاشم كمانه، وقبل عبور كبري الحرية، رأيت قهوة “خسارة قرايتي”. صاحبها مؤمن كمال بندي، مهندس تخرج ولم يجد وظيفة، فوقف في صف العطالة الطويل. اعتُقل في 2017 بعد مظاهرة فردية حمل فيها لافتة من حي الداخلة حتى محكمة عطبرة، ثم طاردته الأجهزة واعتقلته، ومنعته من حضور عزاء والده.

أقام مؤمن القهوة مع زملائه المهندسين، وأصبحت ذات شعبية. التقيته هناك، والتقطت صورة مع اللافتة التي تختصر مأساة الشباب.

سألته عن صلته بالراحل د. حسن بندي، أحد المخلصين في التجمع الوطني الديمقراطي، فأخبرني أنه عمه.

(4) عطبرة… مدينة العلم والجداريات والذاكرة الوطنية

أطلقت لجان مقاومة عطبرة مبادرة “كلنا خلف العلم”، فزيّنت كبري الحرية بالأعلام والجداريات والرسائل الوطنية.

بعد ندوة قوى الحرية والتغيير، جاءني شاب من جبال النوبة يتحدث الإنجليزية، وسألني عن هيبان. قلت له إنني أعرفها وأعرف قرية كوبنغ، فضحك وقال إنه منها. النوبة يحتلون موقعاً مميزاً في عطبرة وفي السودان كله.

وفي صباح اليوم التالي، جلسنا في قهوة بالسوق نتناول الشاي والزلابية. وعندما أردنا دفع الحساب، أخبرنا صاحب المحل أن الرفاعي دفعه مسبقاً. الرفاعي يمثل روح السودان: الكرم، الصمود، والندى.

(5) عطبرة… قلب لا يموت

اختفى ريف السودان المنتج بفعل الحروب، وانتقل الريف إلى المدن، فخسر الريف ولم تنتج المدن، وتراجعت الطبقة الوسطى. لكن قلب عطبرة، المزروع في أحشاء الوطنية، لا يموت.

عطبرة علمت الناس أخذ الحقوق، وهي أول مدينة أنهت سطوة المؤتمر الوطني. وإن عاد، ستعود عطبرة.

هذا شهر أكتوبر، شهر الحمل، شهر الانبعاث. ستنهض الطاقات الكامنة، وسيخرج الأحياء فوق الأرض وتحتها لانتزاع الحقوق.

المصدر : صحيفة الراكوبة.

Responses

يبدو أنك تستخدم أداة لحظر الإعلانات.

تعطيل مانع الإعلانات يساعدنا على مواصلة تمويل الموقع وتقديم محتوى موثوق وعالي الجودة دون أي تكلفة عليك.

نقدّر تفهّمك ودعمك لنا، ونشكرك على تخصيص وقتك لتعطيل مانع الإعلانات لهذا الموقع.