يكشف هذا المقال كيف تحوّل السودان، منذ عهد الاحتلال الثنائي، من دولة ذات سيادة محتملة إلى “عمق استراتيجي” داخل العقيدة الأمنية المصرية، وكيف استمرت هذه الرؤية في فرض خطوط حمراء على القرار السوداني حتى اليوم. من هندسة الدولة والمجتمع، إلى تشكيل الجيش، إلى التحكم في مسار السياسة—تستمر روح الاحتلال في إعادة إنتاج نفسها بأدوات جديدة.

مفهوم العمق الاستراتيجي من عهد الاحتلال الثنائي… وكيف تحوّل إلى خطوط حمراء مفروضة على السودان حتى اليومهذا المقال يحاول تفكيك أحد أكثر المفاهيم تأثيرًا في علاقة السودان بمصر: مفهوم “العمق الاستراتيجي” الذي وُلد في زمن الاحتلال الثنائي، ثم ترسّخ في العقيدة الأمنية المصرية، قبل أن يتحوّل إلى خطوط حمراء تُقيّد استقلال القرار السوداني حتى اللحظة.
التحليل هنا يتحرك عبر ثلاث طبقات:
الهندسة الاستعمارية → العقيدة الأمنية → الخطوط الحمراء المعاصرة.
—
1. مفهوم “العمق” في الأصل: السودان كامتداد لا كجار
منذ قيام الحكم الثنائي (الإنجليزي–المصري) عام 1899، لم يُعامل السودان كدولة مستقلة، بل كـ:
– امتداد جغرافي لمصر جنوبًا
– منطقة عازلة تحمي مصر من الجنوب
– مجال نفوذ يضمن أمن النيل
ورغم أن بريطانيا كانت الحاكم الفعلي، إلا أن تسمية الاتفاقية بـ “إنجليزي–مصري” كانت مقصودة لإبقاء مصر نفسيًا وقانونيًا داخل المشهد السوداني.
هذا رسّخ فكرة خطيرة:
السودان ليس جارًا ندّيًا… بل “عمقًا” تابعًا.
—
2. كيف صُمّم السودان ليكون “عمقًا لا دولة”؟
الهندسة الاستعمارية للسودان لم تكن بريئة. فقد صُمّم البلد بطريقة تجعل السيطرة عليه سهلة من الشمال:
أولًا: تفتيت المجتمع
– فصل الجنوب عن الشمال إداريًا وثقافيًا
– قمع ثورات الجنوب بالطيران عبر الجيش السوداني نفسه
– خلق نخبة شمالية محدودة لإدارة البلاد
– تهميش شامل: شمال مهمش، جنوب مهمش، شرق مهمش، غرب مهمش
– التهميش = تفقير + تجهيل ممنهج
ثانيًا: مركز هشّ وأطراف ضعيفة
– الخرطوم مركز سياسي هش
– الأطراف بلا تمثيل حقيقي
– الاقتصاد مرتبط بالنيل والاتجاه شمالًا أكثر من ارتباطه بذاته
ثالثًا: جيش بلا عقيدة وطنية
الجيش صُمّم كـ أداة ضبط، لا كحارس سيادة.
مهمته: حماية مصالح الحكم الثنائي، لا حماية السودان.
النتيجة:
دولة–هامش يسهل التحكم فيها من الشمال (مصر + بريطانيا).
—
3. من الاحتلال إلى العقيدة: كيف تجذّر مفهوم “العمق” في العقل المصري؟
بعد استقلال السودان عام 1956، لم تتخلَّ مصر عن الإرث النفسي والسياسي الذي تركه الاحتلال:
– النخب المصرية رأت السودان “حديقة خلفية”
– الصراع بين مصر وبريطانيا قبل الاستقلال كان صراعًا على “من يملك العمق”
– خطاب “وحدة وادي النيل” كان في جوهره محاولة لدمج السودان في المجال المصري
ومع الزمن، تبلور داخل العقيدة الأمنية المصرية ثلاث مسلّمات:
1. النيل خط حياة
2. السودان = بوابة النيل + ثروات زراعية وحيوانية + عمق استراتيجي
3. أي قوة مستقلة جذريًا في السودان = تهديد مباشر لمصر
هكذا تحوّل “العمق” من وصف جغرافي إلى مبدأ عقائدي داخل مؤسسات الأمن والجيش في مصر.
—
4. من “عمق” إلى “خطوط حمراء”: كيف تُترجم العقيدة إلى محظورات على السودان؟
العقيدة القائمة على “العمق” أنتجت مجموعة خطوط حمراء غير مكتوبة، لكنها حاكمة:
—
أ) خط أحمر: لا تفكك جغرافي خطير في السودان
لماذا؟
– تفكك السودان = ظهور أطراف جديدة على النيل
– هذه الأطراف قد تتفاوض أو تتحالف بعيدًا عن مصر
– بدل دولة واحدة، تصبح مصر أمام عدة دول نيلية أو أقاليم فدرالية مستقلة القرار
لذلك، شعار “وحدة السودان” عند مصر يعني عمليًا:
وحدة الكيان الذي يضمن وحدة مسار النيل وثرواته تحت معادلة يمكن التحكم فيها.
—
ب) خط أحمر: الجيش السوداني يجب أن يبقى “المدخل الوحيد للقوة”
من منظور العمق:
– الجيش = بوابة التعامل
– الجيش = مؤسسة يمكن التأثير عليها
– الجيش = ضمانة ضد صعود قوى مدنية أو عسكرية مناهضة للمركز
لذلك:
– لا يُسمح بصعود قوة موازية (مثل الدعم السريع)
– لا يُفضّل ظهور قيادات خارج المدرسة التقليدية (مثل حمدوك أو حميدتي)
– يُفضّل بقاء الجيش تحت نفوذ تنظيمات داخلية قابلة للتوجيه
وهذا يفسر:
– ميل مصر لدعم الانقلابات
– تحفظها على المسار المدني
– عداءها للقوى الموازية للجيش
—
ج) خط أحمر: لا نظام مدني سوداني مستقل جذريًا
نظام مدني منتخب ومستقل يعني:
– إعادة التفاوض حول النيل
– إعادة تعريف الحدود والأمن
– تحالفات جديدة لا تمر عبر القاهرة
– دولة ندّية لا “عمقًا تابعًا”
لذلك، تاريخيًا:
– الأنظمة العسكرية مرحّب بها
– الثورات المدنية تُقابل بالتحفظ
– الجيش يجب أن يبقى لاعبًا رئيسيًا مهما تغيّرت الوجوه
—
د) خط أحمر: لا نفوذ منافس داخل السودان
العقيدة القائمة على “العمق” لا تتحمل:
– تمدد نفوذ دول إقليمية
– تحالفات سودانية مع قوى كبرى
– تموضعًا سياديًا في البحر الأحمر أو القرن الأفريقي
– استقلالًا اقتصاديًا يقلل اعتماد السودان على مصر
أي من هذه التحركات يُعتبر تهديدًا مباشرًا.
—
5. استمرار “روح الاحتلال الثنائي” في شكل جديد
انتهى الاحتلال الثنائي قانونيًا عام 1956، لكن:
– تصميم الدولة السودانية بقي كما هو
– النظرة المصرية للسودان كعمق لم تتغير جذريًا
– هشاشة الداخل السوداني سهّلت استمرار نفس المنطق
بمعنى آخر:
الاحتلال انتهى كشكل… لكنه بقي كعقيدة.
والنتيجة:
– أي محاولة سودانية لاستقلال القرار تصطدم بخطوط حمراء غير معلنة
– هذه الخطوط ليست وليدة اليوم، بل امتداد لعقيدة تأسست في زمن الاحتلال
—
خاتمة
لفهم علاقة السودان بمصر اليوم، لا بد من العودة إلى الجذور:
الهندسة الاستعمارية → عقيدة العمق → الخطوط الحمراء.
ما لم يُفكَّك هذا الإرث، سيظل السودان يتحرك داخل حدود رسمها الآخرون قبل أكثر من قرن.
والمعركة الحقيقية ليست مع دولة بعينها…
بل مع تصميم تاريخي يجب إعادة بنائه من الأساس.







Responses