تحليل شامل لسياسات إسرائيل في الضفة الغربية، من الاستيطان والضم وتغيير الوضع القانوني، إلى خلافات نتنياهو وترامب، ورأي محكمة العدل الدولية بشأن الوجود الإسرائيلي غير القانوني.

ما وراء الضم: كيف تغيّر إسرائيل واقع الضفة الغربية وسط خلافات مع ترامب وتصاعد الاستيطان؟
تُعدّ الضفة الغربية منطقة تبلغ مساحتها نحو 5660 كيلومتراً مربعاً، تحيط بها إسرائيل من ثلاث جهات، بينما يحدّها الأردن شرقاً. ويقطنها أكثر من أربعة ملايين نسمة. وقد خضعت المنطقة للاحتلال الإسرائيلي منذ حرب عام 1967، وهي الحرب التي سيطرت فيها إسرائيل أيضاً على القدس الشرقية وقطاع غزة وسيناء والجولان. وفي أعقاب الحرب، أصدر مجلس الأمن القرار 242 الذي دعا إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي التي احتلتها، وفق مبدأ “الأرض مقابل السلام”.

ورغم أن هذا المبدأ شكّل أساساً لجهود دبلوماسية امتدت لعقود، فإن إسرائيل لم تنفذ الانسحاب المطلوب، بل واصلت فرض سيطرتها على الأراضي الفلسطينية، مع استمرار حصار قطاع غزة. ويؤكد القانون الدولي أن الاحتلال حالة مؤقتة لا تمنح القوة المحتلة أي سيادة على الأرض، ولا تخوّلها تغيير الواقع الديمغرافي أو نقل سكانها إلى الأراضي المحتلة.
لكن إسرائيل بدأت منذ الأيام الأولى بعد وقف إطلاق النار في تغيير الوضع القائم، خصوصاً في القدس الشرقية. ففي يونيو 1967 أعلن موشي ديان “توحيد القدس”، ثم فرضت الحكومة الإسرائيلية قوانينها على الجزء الشرقي من المدينة، وأجرت تغييرات واسعة في حدودها وإدارتها وبنيتها العمرانية. وقد اعتبر المجتمع الدولي هذه الإجراءات غير قانونية. وفي عام 1980 أعلنت إسرائيل ضم القدس الشرقية نهائياً، وهو ما رفضه مجلس الأمن ودعا الدول إلى سحب بعثاتها منها.
ما معنى ضم الضفة الغربية؟
الضم هو فرض دولة ما سيادتها على أرض ليست جزءاً من حدودها المعترف بها، وهو إجراء محظور دولياً. وقد سبق لإسرائيل أن قامت به في القدس الشرقية، وتهدد اليوم بتكراره في الضفة الغربية. ويشبه ذلك ما فعلته روسيا في القرم عام 2014. ويعتبر اليمين الإسرائيلي المتطرف الضم خطوة ضرورية لإلغاء أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية، وهو ما عبّر عنه وزير المالية بتسلئيل سموتريتش الذي يرى أن “مهمته” هي منع قيام دولة للفلسطينيين.
وتكشف تقارير صحفية أن سموتريتش يعمل على فرض السيادة على الأرض أولاً، ثم إيجاد الصياغة القانونية لاحقاً، بما يشمل شرعنة البؤر الاستيطانية غير المرخصة. ويستند هذا التوجه إلى رؤية أيديولوجية تنكر وجود الشعب الفلسطيني أصلاً، وتستخدم مصطلحات توراتية مثل “يهودا والسامرة” للإشارة إلى الضفة الغربية.
الفرق بين الضم والاحتلال
الاحتلال يفرض قوانين عسكرية على السكان، بينما يؤدي الضم إلى إخضاعهم للقوانين المدنية للدولة المحتلة. وهذا الفارق القانوني ينعكس مباشرة على ملف الاستيطان، إذ يصبح البناء في الأراضي الفلسطينية أسهل بكثير في حال الضم، وتُسوّى أوضاع البؤر الاستيطانية بسرعة أكبر. ولذلك يضغط اليمين الإسرائيلي باتجاه الضم لتسريع التوسع الاستيطاني.
موقف ترامب من الضم
قدّم ترامب نفسه خلال حملته الانتخابية باعتباره “حامي إسرائيل”، وأعلن بعد توليه الرئاسة أن الولايات المتحدة لم تعد ملتزمة بحل الدولتين. ثم اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إليها، قبل أن يعترف بسيادة إسرائيل على الجولان عام 2019. لكن تصويت الكنيست على مناقشة قانون ضم الضفة الغربية أثار غضبه، إذ قال إنه “لن يسمح” بحدوث ذلك.
ويرى مسؤولون أمريكيون أن الضم يهدد خطط ترامب لإنهاء الحرب في غزة، بينما يتعرض الرئيس لضغوط من تيار ماغا الذي ينتقد “انحيازه” لنتنياهو. كما أثارت الغارات الإسرائيلية على وفد حماس في الدوحة إحراجاً كبيراً لواشنطن، ما دفع ترامب للتأكيد على أن الضم غير ممكن حالياً لأنه “وعد الدول العربية بذلك”، مشيراً إلى أن السعودية على وشك التطبيع مع إسرائيل.
ماذا يريد نتنياهو؟
رغم أن نتنياهو كان من أبرز الداعين لضم الضفة الغربية، فإنه انتقد تصويت الكنيست الأخير، لأن توقيته قد يضر بالعلاقة مع ترامب. ويؤكد حزب الليكود أن الحكومة تعمل على تعزيز الاستيطان “بالأفعال لا بالأقوال”، وأن السيادة تُفرض عملياً عبر البناء والميزانيات، لا عبر التصريحات. ويستند نتنياهو في رؤيته إلى “صفقة القرن” التي سمحت لإسرائيل بضم المستوطنات.
الاستيطان الإسرائيلي على الأرض

منذ 1967 أنشأت إسرائيل أكثر من 160 مستوطنة في الضفة الغربية والقدس الشرقية، يسكنها نحو 700 ألف مستوطن، إضافة إلى مئات البؤر الاستيطانية. وتعتبر جميعها غير قانونية وفق القانون الدولي، وهو ما أكدته محكمة العدل الدولية في رأي استشاري عام 2024، معتبرة أن السياسات الإسرائيلية ترقى إلى “ضم فعلي” لأجزاء واسعة من الأراضي الفلسطينية.
ومن أخطر المشاريع الاستيطانية مشروع “E1” الذي يربط مستوطنات القدس الشرقية بمعاليه أدوميم، ويفصل القدس عن الضفة الغربية، ويقضي عملياً على إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً. وقد وصفه سموتريتش بأنه “يقبر” فكرة الدولة الفلسطينية نهائياً.

موقف محكمة العدل الدولية

خلصت المحكمة إلى أن إسرائيل تمارس سياسات تهدف إلى ترسيخ سيطرتها على الأراضي المحتلة، بما يشمل الاستيطان، والجدار، واستغلال الموارد، وفرض القوانين الإسرائيلية. ورأت أن هذه الممارسات تشكل ضماً غير قانوني، وأن على الأمم المتحدة ومجلس الأمن اتخاذ إجراءات لإنهاء هذا الوضع.
، بما فيها الضفة الغربية والقدس الشرقية”.







Responses